الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
200
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
البيانية . والمعنى : الكفار منكم خير من الكفار السالفين ، أي أأنتم الكفار خير من أولئك الكفار . والمراد بالأخيرية انتفاء الكفر ، أي خير عند اللّه الانتقام الإلهي وادعاء فارق بينهم وبين أولئك . والبراءة : الخلاص والسلامة مما يضرّ أو يشقّ أو يكلّف كلفة . والمراد هنا : الخلاص من المؤاخذة والمعاقبة . و الزُّبُرِ : جمع زبور ، وهو الكتاب ، وزبور بمعنى مزبور ، أي براءة كتبت في كتب اللّه السالفة . والمعنى : ألكم براءة في الزبر أن كفاركم لا ينالهم العقاب الذي نال أمثالهم من الأمم السالفة . و فِي الزُّبُرِ صفة بَراءَةٌ ، أي كائنة في الزبر ، أي مكتوبة في صحائف الكتب . وأفاد هذا الكلام ترديد النجاة من العذاب بين الأمرين : إما الاتصاف بالخير الإلهي المشار إليه بقوله تعالى : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [ الحجرات : 13 ] ، وإما المسامحة والعفو عما يقترفه المرء من السيئات المشار إليه بقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لعل اللّه أطّلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم » . والمعنى انتفاء كلا الأمرين عن المخاطبين فلا مأمن لهم من حلول العذاب بهم كما حلّ بأمثالهم . والآية تؤذن بارتقاب عذاب ينال المشركين في الدنيا دون العذاب الأكبر ، وذلك عذاب الجوع الذي في قوله تعالى : فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ [ الدخان : 10 ] كما تقدم ، وعذاب السيف يوم بدر الذي في قوله تعالى : يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ [ الدخان : 16 ] . [ 44 ، 45 ] [ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 44 إلى 45 ] أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ( 44 ) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ( 45 ) أَمْ منقطعة لإضراب انتقالي . والاستفهام المقدر بعد ( أم ) مستعمل في التوبيخ ، فإن كانوا قد صرحوا بذلك فظاهر ، وإن كانوا لم يصرحوا به فهو إنباء بأنهم سيقولونه .